بين ادريس وابليس – 8

ياسين ابوسيف ياسين   بتاريخ   2012-09-20
بين ادريس وابليس – 8
كان الملك ادريس السنوسي صاحب رؤية واضحة وبصيرة ثاقبة .. رأى أن حليفته السابقة بريطانيا العظمى .. الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس .. قد غابت الشمس عنها فعلا وأفلت .. وفقدت سيطرتها عن الشرقين الأدنى والأقصى دون رجعة .. وأصبح الأسد البريطاني العجوز لا يكاد ينش الذباب عن المملكة المتحدة فما بالك بالدول التي كانت تحت لوائه من دول الكومنويلث الواقعة تحت تأثير التاج البريطاني..
ورأى بعين ثاقبة أن أمريكا قد أخذت بيدها زمام الأمور اقتصاديا وسياسيا وعسكريا .. رأى ذلك في ايران حينما حاول الدكتور مصدّق تأميم البترول فخرجت مظاهرات حاشدة دبرتهاورتبت لها المخابرات الأمريكية طالبة الاطاحة برئيس الوزراء مصدّق في عهد الشاهنشاه رضا بهلوي .. وكان لها ما أرادت .. وسقط مصدق وسقط معه نفوذ بريطانياومخابراتها .
ورأى ذلك قبل ذلك .. عندما حضر الرئيس الامريكي الأسبق فرانكلين روزفيلت وقابل على ظهر سفينته في عرض البحر الأبيض المتوسط الملك عبدالعزيز آل سعود ليعقد معه صفقة الصفقات .. البترول والدولار .. مقابل التخلي عن حلفائه الانجليز الذين كان لهم الفضل في اعتلائه عرش المملكة العربية السعودية بعد ان كان أميرا وسلطانا على صحراء نجد القاحلة .
رأى الملك ادريس ان يبحث عن مربط الفرس .. عمن يستطيع أن يوطد علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية .. ولم يجد ذلك متوفرا في الزعماء السياسين التقليدين من أمثال محمود المنتصر ولا بن شعبان ولا محمد الساقزلي ولا آلالكيخيا ولا حسين مازق ولا آل العابدية .. إنما وجد ضالته المنشودة في مهندس مغمور كان يشغل منصب ناظر (وزير) للأشعال العامة في ولاية برقة عقد صفقة مشبوهة مع شركة مانسمان في مشروع خط أنابيب المياه العذبة بين عين الدبوسية بدرنه وطبرق .. وخرج منها نقي اليد مثل الشعرة من العجين .
وجد ضالته في المهندس مصطفى بن حليم الذي تخرج من كلية الهندسة في جامعة الاسكندرية التي كانت تسمى جامعة الملك فاروق الأول .. كان مصطفى بن حليم بالاضافة الى اتقانه اللغة الانجليزية يتمتع بقدر كبير من الذكاء والفطنة وسرعة البديهة والدهاء السياسي .. وبقدر أكبر من (الفهولة المصرية) التي اكتسبها اثناء إقامته ودراستهفي مصر فمن عاشر قوما أربعين يوما صار منهم .. كان ايضا على دراية جيدة بأحوال ليبيا وعلى علاقة طيبة مع معظم زعماء البلاد وشيوخ القبائل وله علاقات ممتازة بمصر والدول الغربية ذات المصالح المشتركة.. كان صاحب دعابة .. خفيف الظل .. كثير الشبه بالزعيم الوفدي اللامع فؤاد سراج الدين .. وشكلاً وحجماً والأهم من ذلك عقلا راجحا وفكرا .
أغلب الظن – وبعض الظن إثم – أن من رشح مصطفى بن حليم لتولي رئاسة الحكومة هم الامريكان انفسهم إذ انه كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع بعض الساسة والمستشارين العاملين في ليبيا وفي مقدمتهم السفير الامريكي حينذاك .. وكان للأمريكان وجهة نظر تبرر ذلك فهو شاب متعلم يحمل أفكارا جديدة ومن السهل عليهم التفاهم معه والتأثير عليه أكثر من غيره .



عندما تولى السيد مصطفى بن حليم رئاسة الوزراء في المملكة الليبية المتحدة وضع لحكومته أولوياتمنها ضرورة البحث عن الثروات المعدنية وفي مقدمتها البترول .. فقام بسن قانون البترول وأجازه مجلس الأمة بعد مناقشة مستفيضة من قبل مجلسي النواب والشيوخ .. وكوّن لجنة البترول تحت اشراف أنيس القاسم يعاونه البرلمانيالقدير والشيخ المفوّه السيد محمد السيفاط بوفروة .. تلك اللجنة التي منحت امتيازات التنقيب عن مصادر النفط في كل ربوع ليبيا حسب خارطة وضعتها لجنة من الخبراء والاستشارين .. وكان الشك في ان الجبل الأخضر يحوي أكثر الفرص حظوظا في اكتشاف البترول .. ولذا قفد تقرر منح حق الامتياز والتنقيب في تلك المنطقة الى الشركة الليبية- الامريكية .. وقد عُلقت آمال كثيرة على هذا الحدث .. غير أنه لم تؤدي نتائج التنقيب عن البترول في منطقة جردس العبيد الى نتائج ايجابية بل كانت مخيبة للآمال الى حد كبير مما أصاب الليبيون بكثير من الاحباط .
ثمكانت فرحة الليبيون عظيمة عندما أعلن عن أول اكتشاف للبترول بكميات تجارية في حقل زلطن بواسطة الشركة الأمريكية أيسو ستاندرد ليبيا .. ثم تبعتها شركات عالمية أخري كشركة البريتش بتروليم ( بي بي) وشركة اكسيندنتال وشركة أوزيس وأموسيز وشل ونيلسون بانكرهانت وغيرها ..
وأصبح مستقبل ليبيا كدولة منتجة للبترول والغاز حقيقة واقعة .. وأصبح الرهان عليهامن كل الأطراف الصديقة والعدوة .. العربية والأجنبية رهانا ممزوجا بين الحب والكراهية .. وبين الحسد والحقد .. وبين المنفعة والمصلحة.. وفوق ذلك وقبله .. بين الخير والشر من داخل الوطن وخارجه على السواء ..
وللحديث بقية ..
ياسين ابوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com