في ليبيا... حكم الدولة أم حكم المليشيات؟!!

عبد السلام الزغيبي  بتاريخ   2012-09-20
في ليبيا... حكم الدولة أم حكم المليشيات؟!!

عبد السلام الزغيبي

لا تغيب عن احد المؤشرات التي قادت الى عملية الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي،منها ان الكثير من شوارع البلاد لا تزال تحت إدارة الثوار السابقين الذين لم يخضعوا لسلطة مركزية، في ظل غياب واضح للشرطة والجيش وعدم تفعيل الجهاز القضائي.

ورغم تشكيل حكومة جديدة، فأن الأوضاع الأمنية في ليبيا قد تدهورت بشكل ملحوظ منذ اانتخابات شهر يوليو،والحكومة غير قادرة على وقف الاعتداءات على الأضرحة الدينية أو أماكن العبادة ووضع حدّ لسلسة الاغتيالات بحق مسؤولين في النظام السابق.

وكان هناك التحذير الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية للمسافرين الى ليبيا الذي جاء فيه إن "مجموعات من الميليشيا الخارج عن سيطرة الدولة تنشط في ليبيا وتمثل تهديداً مباشراً لليبيين والأجانب".
وحسب دراسة امريكية، أطلعت عليها، فأن هناك أكثر من 200 مليشيا لا تزال نشطة في البلاد، وأن الكثير من هذه المليشيات تسيطر على مساحات واسعة من الأرض وترسانات كبيرة من الأسلحة التي نهبت من معسكرات كتائب النظام المنهار.
وتشمل هذه الترسانات دبابات ومدافع مضادة للطائرات ومنصات صواريخ من النوع الذي استخدم في الهجوم على القنصلية الأميركية مؤخرا، كما أن حوالي عشر مليشيات تمتلك قوة عسكرية مهمة.
يتخوف الشارع الليبي من سيطرة هذه المجموعات على الأوضاع في ليبيا، ويرغب في أن تقوم المليشيات أسلحتها إلى السلطات فورا ولكن الحكومة لم تبذل جهودا كافية من أجل استيعابها في وحدات تابعة للمركز.لعدة أسباب منها:
إنها مترددة في الضغط على المليشيات لتسليم أسلحتها، و ترغب في تفادي المواجهات التي ربما تؤدي إلى عدم الاستقرار.
ضعف الحكومة المركزية وهو بالتالي ساهم في انتشار هذه الخلايا "الإسلامية" المتطرفة.

ربما تكون هذه المجموعات قليلة العدد، ومعزولة في معسكراتها، ولا يجمعها تنظيم واحد متجانس، لكن قوتها تتمثل في نفوذها المتزايد.
فهذه المليشيات المسلحة منتشرة في أنحاء متفرقة من ليبيا،و تهدد مسار التطور الديمقراطي والسياسي الاقتصادي والأمني بعد سقوط نظام الديكتاتور القذافي.
وهي تلعب دورا رئيسيا في الساحة الأمنية والسياسية، وتمارس صلاحيات الشرطة والقضاء من اعتقال وتحقيق،ولديها سجون ومعتقلات!! بها أكثر من 4000 شخص!
حجة بعض المليشيات في عدم تسليم سلاحها أن الحكومة ضعيفة وتخليها عن السلاح قد يعني عودة أنصار القذافي.
لكن لا يغيب عن أذهان الكثيرين ان لهذه المليشيات مصالح شخصية وأحيانا مالية، ولها مصلحة كبيرة في استمرار الأوضاع على ما هي عليه، لتستمر في بسط نفوذها، وتغليب حكمها على حكم الدولة..
احد هذه الجماعات، وهو على صلة بتنظيم القاعدة،كان يرفض العملية الانتخابية التي جرت في البلاد آنذاك،لان الديمقراطية في رأي هذه الجماعة حالة بشرية يصنع فيها الناس القوانين، وأن الله فقط هو المشرع، وبالتالي فأن الإسلام والشريعة غير متوافقين مع الديمقراطية، حسب رأيهم.
للأسف ان هذه المجموعات الفوضوية والميليشيات تم استخدامها من قبل المجلس والحكومة الانتقالية المؤقتة كحراس في الأمن الرسمي، في نفس الوقت الذي تعتبر فيه مصدر التهديد الرئيسي للأمن الوطني.
المجلس الانتقالي كان يراهن على أنه سيقوم بترتيب البيت السياسي الليبي أولا، ثم يتفرغ لإصلاح البيت الأمني، لكنه في النهاية خسر الرهان وها نحن الآن ندفع ثمن إخفاقه.
تعتبر هذه المليشيات أحد أهم التحديات أمام ليبيا ما بعد القذافي،وإذا كانت هناك رغبة صادقة في بناء دولة تقوم على المؤسسات، فيجب على كل القوى الوطنية الشريفة ان تعمل من خلال مؤسسات المجتمع المدني للضغط على هذه التشكيلات ولفظها خارج إطار الشرعية، بعدما أصبح لدينا مؤتمر وطني شرعي وحكومة منتخبة منه.