التشدد والعنف نتائج لأزمة التنشئة الاجتماعية في ليبيا

إسماعيل القريتلي  بتاريخ   2012-09-20
التشدد والعنف نتائج لأزمة التنشئة الاجتماعية في ليبيا
إسماعيل القريتلي

اتجاه بعض شرائح المجتمع للتشدد والعنف بما فيه الديني فهو ليس الوحيد فظاهر العنف الاجتماعي والجنائي والفكري ملاحظ في المجتمع الليبي فالجنوح للأساليب العنيفة والمادية والأمنية كان سلوك متواصل للنظام السابق، وانعكس مع توالي الزمان ليصبح سمة مشاهدة بشكل يومي في الشارع الليبي.

ودعمت تنامي العنف والتشدد المتنوع في ليبيا عدة أسباب منها غياب مشروع وطني للتنشئة الاجتماعية، مع اضمحلال سلطة وسطوة القانون، وضمور العدالة واتساع تأثير المال والرشى والمحسوبيات طريقا لأخذ الحقوق مما ضيق على الفقراء فرص الحصول على حقوقهم الضرورية كالعلاج والتعليم والسكن والعمل، وامتد الأمر ليشمل الخطاب الديني المبرر لسلوك السلطة في انتهاكاتها لحقوق الشعب.

قد أدى اختيار الدولة التخلي عن واجبها تجاه شعبها وانشغالها المستمر لتثبيت أركان حكم القذافي إلى نمو طبقة أغلبها مؤيد للنظام السابق استفادت من كل الامتيازات واستغلت موارد وثروات الدولة لتحقيق مصالحها، وتحكمت في مليارات المشاريع التي أطلقها سيف القذافي فتصاعد مؤشر غناها بشكل متسارع.

وفي مقابل هذه الطبقة محدودة العدد اتسع نطاق التهميش ليشمل أغلب الليبيين وتوقفت كل المشاريع التي تستوعب الشعب سكنا وعملا وعلاجا، مع غياب كامل لمؤسسات أهلية ترعى وتهتم بالشباب حيث حرمت عدة أجيال من أي مشاركة مجتمعية تكتشف مواهبهم وتنميها لتزيد من مؤهلاتهم التنافسية في سوق العمل الذي تعرض كذلك للتشويه من خلال محاربة القطاع الخاص الذي كان ينمو بشكل مطرد في ليبيا.

إن مدنا كبيرة مثل طرابلس وبنغازي يعيش أغلب سكانها في تجمعات سكانية لا تنطبق عليها أي معايير معتمدة دوليا للحياة الإنسانية ففي تلك التجمعات الأقرب للعشوائيات التي تكتض بأكثرية سكان طرابلس وبنغازي لا يجد الشباب أي فرصة للتطور والتعلم الموازي للمدارس ويصعب على سكانها توفير التعليم الخصوصي، وفيها تزيد نسبة التسرب من التمدرس في المراحل التعليمية الأساسية، وأكثرية عمالة الأطفال من تلك الأحياء. والأمر ينطبق بنسبة ما علىى كل المدن الليبية حيث تعيش ظروفا واسعة من التهميش المعرفي والفني والذوقي.

والمجتمع الليبي يعيش تراجعا منذ عقود رؤيته الدينية حيث منع النظام السابق تنظيم التعليم الديني، وأغلقت المؤسسات التعليمية المخصصة لذلك وزادت نسبة الجهل المجتمعي للدين في شكله الوسطي وأصحبت المجتمع مستعدا لأي أفكار دينية تملأ الفراغ الذي سببه منع الدولة للتعليم الرسمي للدين حتى في المساجد، مع انعدام ثقة الناس في خطبة الجمعة التي سيطرت الدولة عليها ثم بعد الثورة علا المنابر أشخاص أغلبهم لا يملك رؤية دينية واضحة ولا يعرف أصول التعليم ودور الخطيب في المجتمع كما أن كثير منهم ينتمون لتلك التجمعات السكانية.

ومن القضايا التي تعرضت للمنع والمحاربة كل وسائل تهذيب سلوك الإنسان والرقي به مثل الفن والموسيقى ومعارض الذوق الرفيع والتواصل مع المجتمعات الأخرى والانفتاح عليها، ولم تشهد ليبيا مؤتمرات علمية أو ثقافية أو فعاليات فنية ورياضية تمكن شباب ليبيا من الاختلاط والتعرف على ثقافات الشعوب والتأثر بها، بل على العكس لقد منع النظام حتى المشاركات الخارجية لليبيين إلا للموالين له والمدافعين عن وجوده.
ومع تركز دور الدولة في حماية النظام وتعزيز أمنه تساهلت في انتشار المخدرات بأنواعها فأدمنت شرائح من الشباب على تناول المخدرات والمسكرات واتسعت الجريمة واكتظت السجون بالخارجين عن القانون. وسرب النظام كل هؤلاء إبان الثورة فامتلئت بهم الشوارع وشارك منهم في الثورة يقاتلون ضد أو مع النظام.

وأدى تحلل السلطة السيادية للدولة بعد الثورة على المنافذ البرية بشكل خاص إلى إمكانية تسلل عناصر من تنظيمات متشددة جاءت من خارج الحدود لتستقر في ليبيا. وربما تخطط لعمليات مع عناصر تابعة لتلك التنظيمات من داخل ليبيا.

رغم أن مشكلة التشدد والتطرف قديمة ربما قدم الإنسان إلا أن المعالجة الرسمية للدولة التي ظهرت في تصريحاتها الرسمية تنحى إلى اعتبار العلاج الأمني هو الأسلوب الأمثل وهذا بالتأكيد لن يزيد الموقف إلا تعقيدا فمع أهمية تأمين ليبيا استخباريا وأمنيا وعسكريا، إلا أن التشدد والعنف منطلقه مجموعة من الأفكار يعاد غرسها في عقول مجموعات من الشباب في تجمعات خاصة جدا ولا تتعايش مع الواقع إلا بحد الضرورة ومع انتشار السلاح والفلتان الأمني بات لتلك التجمعات مواقع عسكرية يحمونها تمثل لهم قواعد التأسيس الفكري ضد المجتمع حيث يرفض هؤلاء التحول الديمقراطي وينادون بتطبيق الشريعة بطريقة عامة جدا يصعب عليهم الاتفاق على تعريف وتفصيل لمقصدهم من تطبيق الشريعة.

إن مواجهة التشدد والعنف تبدأ بإصلاح أوضاع تلك التجمعات السكانية التي تذكرنا بمنطقة إمبابا في القاهرة فمن المهم أن تولي الحكومة القادمة تركيزا كبيرا وخاصا لتلك التجمعات وتبدأ في توفير السكن والعمل لسكان تلك المناطق وعليها أن تستعجل الحلول الإسكانية والتشغيلية لهم. كما يجب أن توفر لهم منابع للتعلم والتثقف والمعرفة عبر المكاتب العامة والجمعيات الأهلية والنوادي والاهتمام بمراحل التعليم الأساسي والخدمات الصحية والبنية التحتية.

ومن المهم أن تؤسس رؤية وطنية للتنشئة الاجتماعية لا يحق لصحفي إو إعلامي أو سياس أو ناشط مدني أو شيخ أو خطيب أن يتجاوزها وتصبح هذه الرؤية الوطنية إحدى مكونات الرؤية الكلية للأمن القومي لا يحق لأحد التلاعب في مفرداتها أو الاستهانة بأدواتها بمن فيهم الأسرة التي يجب أن يعاد تأهيل الأباء والأمهات فيها لمعرفة طرق التربية والتنشئة الصحيحة مع معالجة لمشاكلهم الاجتماعية والمعرفية والمادية.

إننا لسنا براضخين تحت نظام استبدادي يفرض علينا رؤيته الانفرادية ولذا لا عذر لنا اليوم لعدم اللجوء للمعالجات الصحيحة والعلمية التي تحدد لكل مكونات الدولة والمجتمع دوره بالتفصيل تجاه التنشئة الاجتماعية.

وأخيرا يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن العلاج الأمني لن يحميها من المزيد من الهجمات، ففي تجربتها منذ 2002 أي منذ غزوها لأفغانستان ثم العراق وضرباتها المتواصلة لليمن لم تثمر أي تراجع للعنف بل زادت من انتشاره واتساعه وليس أمامها اليوم إلا أن تدعم برامج التنشئة الاجتماعية الشاملة في دول الربيع العربي ليتجنبوا كلهم معا أخطار وتداعيات التشدد والعنف.