زيارة طرابلس

بشير السني المنتصر   بتاريخ   2012-09-20

زيارة طرابلس
بعد تأخيروتأجيل بسبب مواعيد الأطباء وزيارت المستشقى قررت ركوب طائرة الخطوط الجوية البريطانية يوم أول أيام عيد الفطر المبارك الموافق 19 أغسطس الجاري المتجهة الى طرابلس الحبيبة لأول زيارة ألى وطني المقدس منذ 35 عاما كاملة .كانت الطائرة شبه خاصة فلم يكن فيها سوى بضعة أشخاص ولم أعرف السبب وقيل لي أن الطائرة تحمل وقودا بما يكفيها ذهابا وإيابا ولهذا لا تستطيع نقل اكثر من 40 شخصا بمن فيهم طاقم الطائرة . هل ليبيا ليس بها بترول للطائرات ؟ وما هي إلا ساعات حتى لاح الساحل الليبي الجميل الذي كنت أراه بعيدا أثناء زياراتي المتكررة ألى مصر وتونس في زيارات رسمية أو سياحية دون أن أهبط في الأرض التي ولدت فيها وترعرت وتمرغت في رمالها وتنفست عبير هوائها . وما وطأت أرجلي أرض المطار حتى فوجئت بجمع كبير من الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف جاءوا خصيصا للترحيب وبعضهم تحمل عناء السفر من مصراتة . وكان االعناق وكانت الدموع وكنت أحاول أن أتعرف على الوجوه الشابة لعلي أتذكر أباؤهم قبل أن يقدمون لي لأن معظمهم ولد قبل مغادرتي لليبيا او تركتهم أطفالا. وكان مطار طرابلس مزدحما بأناس حسبتهم مصريين أو خليجيين للباسهم للقفطان الطويل (الجلابية ) الذي لم نعرفه نحن الليبيين في زماننا سوى للنوم فقط وليس للخروج به في الشوارع ، ولكن قيل لي أنهم حجاج العمرة الليبيين . المطار بالنسبة لي جديد لم أره من قبل وكذلك الطريق المؤدي ألى المدينة كانت مدينة طرابلس التي رأيتها غير مدينة طرابلس التي عرفتها . عرفتها عروس وجوهرة البحر الأبيض المتوسط بجمال كورنيشها وحدائقها وأبنيتها ذات الأطار المعماري المميزوجمال شوارعها وسكانها المهذبين الطيبين بوجوههم الحليقة وبألبستهم الأوربية الحديثة الأنيقة أوالملابس الوطنية الكاملة بالجرد فوق الرأس أو على الكتف . وقد وجدتها مدينة كبيرة جدبت معظم سكان ليبيا كعادتها بمغنطيسيتها التاريخية في جلب الناس والوقوع في غرامها لكل لمن سكنها . ولكنها فقدت جمالها بسبب إهمال الطاغية لها وجعلها ثكنة عسكرية لكتائبه وسكنا لهم وسمح لأفراد كتائبه وأبنائه وأزلامه تملك الأرض للبناء أين ما أرادوا دون تخطيط أو نظام وسمج لهم بتملك المزارع والاسواق والأستيلاء على كل العمارات القديمة الجميلة وتحويلها إلى خراب . كان لهذا الطاغية كراهية مدفونة في قلبه لمدينة طرابلس لأن سكانها الأصليين عزفوا عن نظامه وتنظيماته ففتح عليهم باب المهاجرين من الجنوب ومن أفريقيا وجنسهم والمتعاطفين مع نظامه من كل أرجاء ليبيا فحولها إلى خرائب وقادورات . وأصبحت طرابلس مدينة عجوزشمطاء كما يقول المثل العربي ذات طابع شرق أوسطي تذكر الزائر بشوارع القاهرة وبغداد الشعبية . عمارات عالية لأزلامه وعائلته وطرق ينقصها التنسيق والتسوير والطابع الجمالي .مباني غير مخططة ولا مسموح بها رسميا وسيل لا يتوقف من البناء الشعبي والحكومة تدفع بدون تأمين ودون أشراف . في هذا الجو الخانق الذي فرضه الطاغية على مدينة طرابلس تعيش طرابلس اليوم لم يتغير شئ فيها . وسلطات الحكومة المؤقتة لم تفكر حتى في وقف البناء غير المخطط والأهمال والمزابل بل زادت من الطين بله ففتحت البنوك لطبقة جديدة يسمون بالثوار لتملك المباني والبناء في كل مكان ونشر الفوضى . لم أفهم ولم أعرف كيف تسير الأمور دون سلطة ودون نظام ودون قانون . إنها الفوضى المدمرة التي لن تنتهي أبدا وليس في مقدور أحد أن يوقف هذا الطوفان وهذه الفوضى ألا بحرب أهلية لسيطرة من يفوز وأعادة النظام وسلطة الدولة، أو بتدخل أجنبي قد ينتهي الى ما هو عليه الحال في أفغانستان والعراق . والفضل للأسلاميين الذين يعملون تحت أسماء مختلفة للتمكن من السيطرة التامة على البلاد وإرحاع الأمة العربية الى عهود الجاهلية قبل الأسلام وبعد عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم حيث عادت الجاهلية بعدهم تحت مسميات مختلفة كما أصبح الحال عليه اليوم عندنا . رأيت في طرابلس بأم عيني أناس بلحي يحطمون مسجد سيدي الشعاب والشرطة تحميهم مانعة المرور والمواطنين من الدخول لأيقافهم .قالول أن الشرطة تحاول أن تتفادى ضحايا لأن أصحاب اللحي يحملون السلاح الثقيل . عذر أقبح من الذنب إذا لم تستطيعوا إيقافهم أتركوا المواطنين يلتحمون بهم لسحقهم ، وحرموا حمل السلاح وإطلاق اللحى ومن يمتنع فليس منا . ولتقم ثورة جديدة ضد هذا الفئة الضالة المتحالفة مع الطاغية الشيطان والذي أعترفت به كولي الأمر في ملكه واليوم تتبنى ثورة 17 فبراير ثورة الشعب النقية المتطلعة إلى الحداثة والرقي والتقدم أسوة بأوربا وليس الرجوع إلى عهود الجاهلية العربية . أسماء هذه الفئات التي تدعي الأسلام مختلفة تحت شعار واحد هو أعادة الليبيين ألى جاهلية ما بعد الخلفاء الراشدين وحرب الكفار بالدعاء والأجرام . وأنا أكتب هذا التعليق جاءت الأخبار من بنغازي بمقتل السفير الأمريكي وأربعة أمريكببن في القنصلية الأمريكية في بنغازي وهو كما يرى القارئ إمتداد لما كنت اكتب عنه وسيتكرر ما هو أهول إلا إذا أعلنت الحرب على الارهاب وجمع السلام بالقوة . وللحكومة وسائل عديدةأخرها الأستعانة بدول الناتو التي شاركت في تحرير ليبيا من حكم الطاغية وعليها تكملة المشواروهذا تفويض دولي لها عليها إتمامه . .
أما سكان امدينة طرابلس فهم ثلاتة أقسام :-
قسم الأغلبية وهم ناس عاديون في حياتهم يعيشون بما كتب الله لهم حياة عايدية بما يسد الرمق فرضها عليهم الطاغية رغم ظروف الأمن والفوض ينتظرون الكثير من ثورة 17 فبراير وهم على قدر كبير من المسئولية ولكن لا حول لهم ولا قوة.
والقسم الثاني يسمى الحكومة وهم سواء المجالس المتوالية والعديدة يعيشون في أبراج عاجية بعيدة عن مجرى الأمور يحلمون ويقررون ويقولون الكثير في مكاتبهم وكأنهم يخططون لمستقبل طويل ويتغاضون عن الحاضر لأن المساس به يعرض مهامهم ووظائفهم للخطر . ولا يعرف الشارع ماذا يعملون . لا أعرف كيف يقبل وزير منصبا لا يستطيع ممارسة مسئولياته . حذرنا المجلس الأنتقالي بمئات التعليقات منذ البداية بأن يتخذ أجراءات صارمة حازمة وسريعة في المسائل الهامة ومنها جمع السلاح وتكوين سلاح للثوارلمن أراد يخضع لوزارة الدفاع وضباط مسئولين ، ويكونوا في ثكنات الجيش ولا يخرجوا إلا بأمرمن المسئول عنهم في مهمات تحدد لهم . وأعداد هؤلاء لمن يريد الأنضمام إلى الجيش أو قوات الشرطة وتسريح الباقي لأيجاد عمل لهم .. وتصفية الثوار من الدخلاء ، فالثوار لا يزيد عددهم على بضعة الاف الذين شاركوا بحق في حمل السلاح ضد قوات الطاغية أما مئات الالاف الذين إمتللكوا السلاح بتاريخ لاحق ويدعون بانهم ثوريون فهم خارجون عن القانون ويجب أن يفرض عليهم تسليم سلاحهم في فترة محددة ومن يمتنع يوضع في قوائم المخالفين للقانون وتقديمه للمحاكمة . قلنا إن تنظيم الجيش الليبي وبناء قوات أمن ضاربة يمكن ان يتم في شهور بالأستعانة بدول الناتو بالتدريب وحتى المشاركة المحددة للسيطرة على الأمور وأرجاع قوات الجيش والأمن الى مراكزهم ، فليس كل من عمل في الجيش أو قوات الأمن في عهد الطاغية ساهم في الفساد والقمع .إن الأعتماد على الثوار في حفظ الأمن هو تسليم السلطة لفئة متمردة لا تمثل سلطة الشعب وهو شئ خطير يهدد الأمن في حد ذاته .
.أما فوضى العلاج فد طلبنا مذذ الأيام الأولى تأجير مستشفيات متنقلة ومستشفيات سفن على طول الساحل الليبي وجلب الأطباء من الخارج بما فيهم الأطباء الليبين ، وتنظيم زيارات بعض الأطباء المختصين للحالات الصحية الصعبة ، ووقف العلاج في الخارج بثاتا على حساب الدولة . وإحضار الجرحى المقيمين في الخارج للعلاج ووضعهم في هذه المستشفيات المتنقلة قريبا من ذويهم . ولكن المجلس الأنتقالي والحكومة المؤقتة تركت الحبل على الغارب حتى تفاقمت الأزمات ولم يعد لها علاج .
والقسم الثالت الخطر من سكان طرابلس الشباب وبعضهم يسمى بالثوار رغم أن الثائر الحق يعمل في صمت وتضحية ونظام بعيدا عن الظهور. شباب قلق مريض نفسيا لا يعرف ماذا يعمل يقضي وقته في قيادة السيارات بتهور حتى أصبحت طرابلس أخطر مدينة في خطورة المرور، والجلوس في المقاهي ويستعرضون أيام الثورة والبطولات بعضها حقيقي وبعضها من نسج الخيال . والأيادي ممتدة للحصول على المال ونصيبهم من البترول الليبي دون عمل وعذرهم عدم وجود عمل ولا يعرفون إن العمل يخلقه الأنسان بجهده وتفكيره ولا يعطى في صحن من ذهب لمن يريد .الشوارع مليئة بالشباب المسلح الثوار ورغم أن الفضل في أنتشار الأمن النسبي يرجع إلى جهودهم الشخصية في بلاد لاتوجد فيها شرطة ولا جيش ولا إدارات حكومية ولا سلطة إلا أن إستمرارهم على هذا الحال خلق مليشيات مستقلة بمناطق ومدن وقسمت ليبيا بينهم ودخل معهم من دخل ، ووجد فيها المتربصون من أصحاب الأجندة الخاصة كالأسلاميين تحت أسماء عديدة نسمع الجديد منها كل يوم وكلها لها هدف واحد هو تخريب العالم الأسلامي الذي بدأ يخطو نحو الحضارة والتقدم والرفاهية ، والعودة به ألى عصور الجاهلية قبل الأسلام وبعد الخلفاء الراشدين ، والسير في ركاب القاعدة والوهابيون وتلقي الأوامر من قادتها المنتشرين في كل بلاد الاسلام وفي المهجر . أما بقية الشباب فمنهم من يتكلم أو يكتب في وسائل الأعلام يدعون المعرفة ولا أقول العلم وهم أجهل من السمكة ، وبعضهم كان مهاجرا وبعضهم عاش في الداخل وكافح كما يقول ولا أحد يعرف كيف كافح ، هل التهليل للطاغية كفاح؟ هل السكوت والتمتع بنعم العيش كفاح تحت حكم الطاغية ؟ . هذه الفئة من الشباب النصف متعلم يدعي بأنه أولى بتولي الأمور من الليبيين الذين عاشوا في الخارج لأنهم لا يعرفون ما كان يجري داخل ليبيا في عهد المقبور، بل يهاجمون هذا الشباب المتعلم الذي عاش في المهجر وهم نخبة الليبيين ويعرفون ما كان يجري في ليبيا بكل تفاصيله فهم كانوا يعيشون في دول ديمقراطية حرة تعرف ما يجري في العالم الثالت أكثر ما تعلم الأنظمة عن نفسها . ومن عاش في المهجر عرف عن ليبيا ما لا يعرفه من عاش في ثقافة الكتاب الأخضر والزعيم الأوحد . والليبيون في المهجر يعرفون كل صغيرة وكبيرة لما كان يحدث ويجري في ليبيا أكثر من الليبيين الواقعين تحت حكم الطاغية المنغلق ويتناولونها بالتعليق والأستنكار في الأعلام الغربي وفي مواقع الأنترنت . وأصبحت ليبيا اليوم مقرا للأرهاب فكل الجماعات التي تدعي الدفاع عن الأسلام لها أجندة سميهم السلفيين أو الأخوان المسلمين او جيش محمد أو أنصار الشريعة ألخ كلها تهدف في النهاية إلى فرض نظام دكتاتوري بأسم الأسلام وهم جزء من القاعدة المحرمة دوليا لا خلاف بين القاعدة وأي تنظيم إسلامي فهم فروعها وزعيمها اليوم أحد روادها في مصر . ، ويجب الأستعانة بالأمم المتحدة إذا تعذر قمع هذه الجماعات والمليشيات المسيطرة على المدن الليبية وجمع السلاح منها . وتسليح الجبش الليبي وقوات الأمن لتكون قادرة على فرض الأمن والسلام في البلاد وعلى الحدود . هذه الحلول طالبنا بها منذ إعلان التحريروقد إستمر تسيير الأمور بالتعاون مع هذه المليشيات خوفا منها حتى أستولت وأصبح من المستحيل السيطرة عليها إلا بحرب أهلية أو بمساعدة الأمم المتحدة وشركات الأمن الدوليىة . كنا نامن من المؤتمر الوطني أن يغير الأمور ولكنه كان نسخة من المجلس الأنتقالي مع إحترامي لبعض أعضائه القادرين . وأخيرا تمخض المؤتمر وأختار رئيسا يمثل إستمرار الحكومة المؤقتة الفاشلة فهو نائب رئيسها مع إحترامي للرجل فهو كفء لكن الكفاءة وحدها لا تكفي في إدارة حكومة طوارئ هدفها الأول إعادة النظام أولا وبحزم وفاعلية قبل القيام بأي عمل لأخر. فحاجة ليبيا اليوم حكومة مسيطرة قادرة وشرطة تحتكر السلاح تحمي المواطنين والاجانب يساعدها جيش قوي ،بعد ذلك نفكر في الخبز والسكن والتعليم واالعلاج والبرامج الخيالية التي غنى بها المرشحون لرئاسة الحكومة . كان الله في عون الليبيين . بشير السني المنتصر