فلول مُبارك حصان طروادة لاخوان مصر

جمال الزوبية  بتاريخ   2012-06-01
فلول مُبارك حصان طروادة لاخوان مصر
لقد جثم الطُغاة على قلوب الشعوب العربية عقودا طويلة، عبثوا بالبلاد وعاثوا فيها فسادا وإفسادا بكل ما أوحت لهم عقولهم المريضة وتحكموا في العباد وعاملوهم كالعبيد وتحكموا في الأرزاق حتى خيلت لهم شياطينهم بأنهم آلهة وكان على شعوبهم عبادتهم وطاعتهم واستغلوا كل إمكانيات الدولة لشراء الذمم وسلب عقول حتى بعض من يسمون أنفسهم رجال الدين (وإن كانت مُسميات مبتدعة، فسيدنا علي بن أبي طالب كان ينادونه يا أبا الحسن، وعبدالله بن مسعود بابن مسعود وغيرهم ولم تكن كل هذه المسميات شيخ، فقيه، رجل دين وفرق بين الثُريا والثرى). والكثير من الجماعات الدينية انظوت تحت لواء الطُغاة وشاركتهم الحكم والسلطة بحجة الإصلاح من الداخل والواقع أن الطُغاة استغلوهم بتبييض وجوه الأنظمة البشعة، وبالمقابل منحوا لهم العديد من المزايا والعطايا وأتاحوا لهم الفرصة للتوسع في ضم العديد من الأعضاء لجماعاتهم وترك لهم الطُغاة العمل تحت نظر الأجهزة الأمنية ومشاركتها أحيانا وتمسكن الجميع تحت عباءة الدين باعتباره نقطة ضعف شعوبنا العربية، ولم تكن أي دولة من دول الربيع العربي استثناء، فقد كان التزاوج بشكل خفيف في تونس وسوريا ومتوسط في مصر وبشكل أكبر في ليبيا.
ففي الحالة الليبية رُغم بشاعة الطاغية وعصاباته وتاريخهم الأسود في الفساد والإفساد والظُلم، فقد تمكن أبناء الطاغية بتسييل لُعاب بعض من الجماعات الدينية في ليبيا فسلخوهم عن جسم المعارضة في الخارج وسهّلوا لهم العودة للوطن بتذاكر مجانية وأعطوا لهم العطايا ومكّنوهم من المناصب حتى في المؤسسات الإعلامية والتجارية ومؤسسات الدولة المختلفة ودفعوا لهم مبالغ مالية كبيرة تعويضا لمن قضى بعض الوقت في السجون، مقابل المشاركة في تلميع وجه الطاغية البشع أو على الأقل بالسكوت عما يحدث والبعض يعزف بمعزوفة ولي الأمر وكأن المقبور نعم الحاكم العادل والبعض الآخر يسوق لتوريث الحكم، باعتباره الحل الوحيد وكأن الابن ليس سر أبيه، وكل هذا بإيعاز من الغرب ومباركته. وكان المستفيد الأكبر من هذا التزاوج هم الإخوان وبإيعاز من المرشد باعتبار أن أدبياتهم تُبرر أي انبطاح للحاكم والتغاضي عن كل الشعارات طالما هناك بصيص الأمل في الوصول إلى السلطة، فالغاية تُبرر الوسيلة (يسميها أهل مصر الطريقة رقم ٦ علشان نعلى ونعلى ونعلى لازم نطأطأ ونطأطأ ونطأطأ). فانظوت جماعة الإخوان تحت مظلة زيف الأحلام وأصبحت ذراعه وبوقه الإعلامي في الترويج لما يُسمى بليبيا الغد ورفع شعار التغيير من داخل النظام، وأي تغيير، وتقلدوا الكثير من المناصب القيادية في حضانات العائلة الفاسدة وانظوت الجماعة السلفية تحت لواء المعتوه الساعدي لتسويق معزوفة ولي الأمر، وأصبحت الجماعتان تتسابقان على نيل الرضا والتقرب من كلاب السلطة. عندما انطلقت الشرارة المُباركة لثورة 17 فبراير ارتبكت الجماعتان في وجهة التحرك، فدعت السلفية إلى عدم الإنجرار للفتنة وضرورة طاعة ولي الأمر، حتى تلقت تعليمات من مشايخها في السعودية والأخوان من مرشدهم في مصر بعد أن حصحص الحق وتأكد الجميع بأن الغرب لامانع لديه من سقوط الطاغية الثالث بعد سقوط جاريه والخوف من عدم اللحاق بالركب. انبرى الجميع لنفض أيديهم من النظام والسعي لمحاولة احتواء الثورة واستطاع الاخوان بحكم تجربتهم السياسية وتنسيقهم وتلقي الدعم المالي والمشورة من مشايخهم في الجارة الكُبرى، فتصدروا المحطات الفضائية كمعارضين وناشطين سياسيين وخبراء أزمات عالميين ومحللين استراتيجيين وخبراء اعلام وقفزوا على مركز القرار في المجلس الانتقالي واستغلوا ضعف رئيسه وجهله في السياسة وعدم وجود روابط سياسية أو وطنية أو تنسيقية أو توافقية بين معضم اعضائه وتسبب هذا في تخبط سياسي نتج عنه انقسامات وبؤر توتر في كثير من المناطق لضبابية المشهد وارتباك في التصريحات. وقام أعضاء الجماعة بانشاء العديد من الجمعيات الأهلية بمسميات مختلفة، وبمحاولة منع الأنشطة السياسية حتى في المُدن المُحررة وتمييعها وارباكها، حتى لايتم انشاء وتشكيل كيانات سياسية قد تزاحمهم، وتخلو لهم الساحة، والسعي بأطالة مدة التصحر السياسي التي صنعها المقبور بين المواطنين حتى تستتب لهم كل الأمور. وسعى مسئوليهم بتعطيل اصدار قوانين تشكيل الأحزاب الى فترة قصيرة قبل الانتخابات، ثُم الأسهال المُفرط للقوانين والقرارات الارتجالية لزيادة الارباك في المشهد السياسي. وباعتبار أن لهم خبرة في الاجتماعات السرية ولديهم طواقم جاهزة للعمل كانت تعمل في الخفاء وأستغلوا فترة التزاوج مع الطاغية للانتشار في معظم المدن ودفعوا الكثير من الأموال كمساعدات للأسر الفقيرة وما أكثرها لحشد أعداد أكبر. وقام اعضائهم في المجلس بتكييف القوانين والقرارات بما يتماشى ومخططاتهم ويخدم مصالحهم ودس الكثير من الألغام والثغرات في القوانين والقرارات التي يصدرها المجلس وتوجيه تعيين الاشخاص الذين يخدمون مصالحهم وأعضاء من الجماعة المستترين تحت عباءة التكنوقراط أو الأكاديميين أو غيرهم. وتسلط العديد منهم في دواليب الدولة والاعلام حتى منصب المتحدث بإسمها رغم الجهل الواضح في الادلاء بالتصريحات، والذي أختفى في أصعب أيام الحكومة عند صراعها مع المجلس الانتقالـي ( الغير مؤقت)، الصراع الذي كاد الشهر الماضي أن يُسقط الحكومة، وتهرّب من المواجهة في أحلك أوقاتها بحجة السفر للخارج منعاً للحرج والذي كان يظهر كخبير أزمات أثناء الثورة، لغرض المحافظة على وضع الجماعة لأن الولاء لها وليس للمنصب أو لمصلحة الدولة.
في تونس كانت طموحات الجماعة متواضعة لصعوبة أرضية اللعب وتركة بن علي والمرحلة البورقيبية الشرسة ضد الجماعة، وأكتفت بالحصول على أغلبية في البرلمان وبعض الحقائب الوزارية وتنازلت عن منصب رئيس الدولة في الفترة الحالية لرجل أفكاره علمانية معلنة، لظروف تكتيكية وفرصة أكثرلتجهيز الساحة، والصراع على أشده مع الجماعة السلفية ظاهرا وباطناُ ولجوء الاخوان الى رفع شماعة الارهاب لحشد الدعم الدولي خلفهم.
في مصر، مصدر انطلاق الجماعة ومؤسسها حسن البنا ومرشدها ومجلس الشورى ومركز قيادتها العالمية. فمنذ تشكيلها بأول دعم مالي بقيمة 50£ سنة 1936 من السفير الانجليزي في مصر في ذلك الوقت، مرت بحالات كر وفر مع أنظمة الحكم المختلفة وخرجت من عباءتها كل المنظمات الإسلامية العنيفة والناعمة. وكانت مصر هي الأرض الخصبة للعمل وقبلة ومصدر الهام وتوجيه كل اعضاء الجماعة في العالم. في العقد الأخير تزاوجت الجماعة مع مُبارك ونظام حكمه، ونالت رضا وريثه جمال مُبارك. ودخل الكثير من قادتها المجلس النيابي (88 عضوا) بموافقة الطاغية مُبارك ونظام حكمه في انتخابات شهد كل العالم بأنها مزورة، وبالتالي مُخالفة للشريعة ولكن لامانع طالما أنها الطريق الى السلطة. وعند تفجر ثورة 25 يناير، وقفوا جانبا في حالة ارتباك وأعادوا حساباتهم عندما اقتدى شباب الثورة المصرية باخوتهم من شباب تونس باصرارهم على رحيل الطاغية وسقوط النظام. تخلت الجماعة عن كل روابطها بالنظام وجمعت نفسها وحاولت القفز على دفة قيادة الثورة في مصر وفشلت، وحاولت احتواء المجلس العسكري ولكن لم تتمكن لأن أمريكا هي التي تديره من الخلف. وأستغلت الدين كقناع للعمل السياسي، ورفعت شعار بأنها حامية الدين دون الاحزاب الدينية الأربعة الأُخرى. ولامانع لديها من التكتيك السياسي في كل الأوقات فالهدف هو رأس الهرم. فقد كانت قبل التزاوج مع مُبارك تقوم بتسيير المظاهرات الشعبية واستغلال المحطات الفضائية للطعن في نظام مبارك وإحراجه أمام الشعب العربي لدعم قطاع غزة وحركة حماس الإخوانية أيضاً. ولكن في الأسابيع الماضية وهي تقود الآن المجلس النيابي، ولديها حزب كبير لم تصدر بياناً واحد أو تصريحا لمساندة قطاع غزة لظروف تكتيكية. والذي تسبب الحصار عليه في منع رجال أعمال من التوجه الى القطاع لعمل مؤتمر استثماري بحجة عدم التنسيق مع الخارجية المصرية رغم أن المتحدث باسم رجال الأعمال صرح بأنهم على تنسيق مع الخارجية والأمن من مدة طويلة. كما منع الأمن المصري الباخرة القطرية الناقلة للوقود لتسيير محطة كهرباء غزة شبه المتوقفة منذ مُدة حتى سمحت اسرائيل بذلك.
في الانتخابات البرلمانية، أعلن مُرشدها ومجلس الشورى بأن الجماعة لن تشارك في الانتخابات الرئاسية حتى تمكنت من السيطرة على الكثير من المقاعد ورئاسة البرلمان. وسببت قيادتها للمجلس الكثير من الأرباك والتخبط في المشهد السياسي للدولة لغموض المخططات والنوايا والاصرار على استحواذ أنصارالجماعة على لجنة وضع الدستور واصدار القوانين بما يتماشى مع مصالح الجماعة ومخططاتها. عند استحقاق الانتخابات الرئاسية تراجعت عن التصريحات السابقة والتظاهر بالانقسام في القيادة على القرار حتى تُقلل من ردود الأفعال. وتقدمت بمرشح أولي ومُرشح بديل، والمرشح البديل د محمد مرسي خريج الجامعات الأمريكية وكان عضوا في برلمان مُبارك الى قيام الثورة واثنين من أبنائه لديهم جنسية أمريكية. وكان يصرح في المحطات الفضائية بعد أن فُتحت السجون بأنه موجود وجاهز إذا أراد النظام اعتقاله. أمرت الجماعة أعضاءها المتحدثين في الإعلام بعدم الخوض الى وقت معلوم في تبعية الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء لنظام مبارك أو نبش ماضيه رغم أنه رئيس وزراء موقعة الجمل الشهيرة وتأسف على قيام ثورة 25 يناير كما تأسف رئيس المكتب التنفيذي لمجلسنا الانتقالي، وهو من الأزلام أيضاً، عدة مرات على قيام ثورة 17 فبراير في مُقابلاته المتلفزة. وقامت الجماعة بتكليف بعض من أعضائها بالتصويت لأحمد شفيق ليتقدم في الانتخابات على مُرشح الثوار حمدين صباحي والمنشق على الجماعة عبدالمنعم أبو الفتوح المدعوم من التيار السلفي. لكي يكون شفيق في المقدمة ليتنافس فقط مع مرشحهم محمد مُرسي في الجولة الثانية وبالتالي من السهل الطعن فيه ثوريا. وبعد أن تتضح الأمور ويتأكد خوض السباق بين مرشحهم وشفيق تقوم الجماعة بالولولة والصراخ أن الثورة في خطر وكأنهم لم يعرفوا من قبل بتبعية شفيق للنظام البائد وأبرز رموزه وتصريحه بأن مبارك مثله الأعلى وأنهم حماة الثورة ورجالها وعلى كل الثوار الاصطفاف ورائهم لطرد الفلول بعد استغلالهم كحصان طروادة للوصول الى الرئاسة. والسعي لضم حمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح تحت عباءتهم بعرض تكليفهم نوابا لرئيس الدولة ومفاجآت المسلسل الأخواني ستستمر لتخلوا لهم الساحة ويتربعوا على قصر الرئاسة ومنه يتم تطبيق مخططاتهم والسيطرة على كل الأمور لأن في أدبياتهم ليس هناك مكان في السلطة لغيرهم إلا تكتيكاُ، إما أن تكون عضوا في الجماعة وإما على الهامش والحظوة ليست للكفاءة بل للوضع التنظيمي والشواهد واضحة.
وربما سنرى السيناريو السياسي سيعاد في ليبيا بحذافيره باختلاف الممثلين فقط. والواجب أن يقوم الثوار والقوى الوطنية بالتنبه من الآن والاستفادة مما يجري الآن وتشكيل هيئة حقيقية لحماية الثورة لمراجعة كل القوانين والقرارات الصادرة بخصوص تنظيم الانتخابات والدولة وتصحيحها وسحب البساط من تحت المجلس اللاانتقالي واللا مؤقت، ولو أدى الآمر لتأجيل الانتخابات شهرا آخر لعل في رمضان تكون القلوب متعلقة أكثر بربها فتصدق الاختيارات والنوايا بشكل أفضل للوطن. ولزيادة توعية الناس للحرص على اختيار المسؤول الذي يكون ولاؤه للوطن ويخاف الله عملاً لا قولاً وليس أنانيا أوقبلياً أو ولاؤه لجماعة أو تشكيل من أي نوع أو كان لديه حظوة لدى الطاغية أو أبنائه فمن كان كذلك فلن يكون فيه خيراً لأن المقبور لم تكن اختياراته لمن يخدمه في المناصب العليا على أي أُسس أخلاقية أو وطنية أو كفاءة (لأنهم كانوا خدم للعائلة وليس في خدمة الشعب). وأتضح الأمر في تسهيل هروب الأبن الأكبر للطاغية ومنح صكوك غفران للكثير من الأزلام بأنهم منشقين سراُ رغم القتل والإبادة للشعب الليبي والعبث بمقدراته والتفاني في خدمة الطاغية إلى نهايته. فلن يكون البديل للطغاة إما أزلامهم لولائهم لسيدهم وإما الأخوان ولاؤهم لجماعتهم ومرشدهم الأعلى وليس للوطن، فالطغاة نتيجة لكراهيتهم لشعوبهم فإنهم حسدوهم أن يتمتعوا بالديمقراطية الحقيقية وتشكيل نظام وطني حتى بعد نهاية حكمهم بتجريف شبه كامل للعقول والأفكار وبث الفرقة بين الشعوب. وكأن قدر شعوب الربيع العربي لن يكون إلا تحت حكم شمولي بين مطرقة الأخوان وسندان الفلول وأزلام الطغاة باختلاف الأقنعة ولن يكون بين نُظم مؤسساتية تسعى للرُقي والتطور والتقدم.
ومن أراد أن يرد علي كلامي فالرجاء إتقاء الله وعدم الفجور في الخصومة، والرد بحوار ديمقراطي بعيد عن السب والشتم وعدم التظاهر بالدفاع عن الدين فلسنا خصوم للدين ولكن ضد تلوين الأقنعة بواجهات وشعارات دينية، فالدين للجميع وهو نقطة ضعفنا ووجعنا الذي ننقاد إلى من تظاهر به، والوطن لن يصلح ويتقدم إلا بالرجال الذين ظاهرهم كباطنهم وهو غايتهم وبالأعمال والانجازات التي تتحدث عن نفسها وتسبق الأقوال وليس برفع شعارات جوفاء. وللحوار استمرار لمن أراد.
اللهم أحفظ بلادنا من كل من يتربص بها فقد كان ربيعها ثمنه قاسيا وروى أرضها عشرات الألوف من خيرة شبابها من أجل الكرامة ولتخليصها من كل الأوغاد.
جمال الزوبية/ مانشستر 25/5/2012م
(ناشط سياسي ليبي)