تم الزحف عليه!

حسين التربي   بتاريخ   2012-08-14
تم الزحف عليه!
شكراً للمجلس الوطني الانتقالي ومبروك للمؤتمر الوطني العام برئاسته الجديدة وموفقين ان شاء الله لما فيه خير الليبيين وليبيا الجديدة. ليبيا الجديدة التي نريد لها الاسلام ديناً والسيادة فيها للشعب وتسيّرها القوانين وليس الولاء لجماعة او لعادات ولتقاليد ولتحريضات ولفتاوي أدمن البعض انتاجها وتفسيرها حسب رغباتهم ومصالح الجماعة التي ينتمون اليها.

في البداية اعتقدت أن المحافظة على الصالح العام قد تفرض علي وتجبرني على خنق مشاعري وحرق رأيي وعدم الكتابة بخصوص اصرار المستشار عبد الجليل على الاستمتاع للمرة الاخيرة بممارسة دكتاتورية مثابات اللجان الثورية على الشعب الليبي وعلناً بحجة المحافظة على العادات والتقاليد.
لكنني تذكرت أن الصالح العام الحقيقي يطالبنا جميعاً بالوقوف ضد الظلم والخطأ في الحال حتى لا نندم بعد فوات الآوان وبعد أن نفاجأ يوم ما بردمنا تحت كم هائل من الممارسات الظالمة مرة باِسم شرعية القذافي الثورية..مرة باسِم العادات والتقاليد ومرة باِسم الدين وفتاوى من قالوا علناً في مساجد تم الزحف عليها أنهم هم فقط من يعرفون مصلحتي ومصلحتك أكثر مني ومنك وانهم هم وحدهم الأوصياء على ليبيا وعلى كل صغيرة وكبيرة في حياة الليبي والليبية!!؟؟
في بداية حفل تسليم سلطات المجلس الانتقالي الى المؤتمر الوطني في ذاك اليوم التاريخي لكل الليبيين الشرفاء، أصر السيد مصطفى عبد الجليل على الاستبداد برأيه والاستماع لربما لأصوات ستة من الاعضاء (في الحقيقة كانوا اقل من أربعة اعضاء) الذين طالبوه باِعلان انحيازه لتيار ليبي ضد آخر وبممارسة الدكتاتورية باِسم العادات والتقاليد وطرد المذيعة الكافرة بالعادات والتقاليد سارة المسلاتي من قاعة المؤتمر لأن شعرها الغير مغطى بقطعة قماش حرّك بداخلهم غرائز جنسية دفينة لم يحركها شعر مذيعات الفضائيات العربية خلال صولاتهم وجولاتهم معهن في الاستوديوهات المختلفة ولم يفلح لا شعر هيلاري كلنتون ولا شعر السيدة اشتون في اشعال فتيل تلك الغرائز! فتفعيل دور العادات والتقاليد اصبح هو الآخر خاضع لمجريات السياسة ومزاجات ورثة دكتاتورية القذافي.
وصلت الرسالة للسيد عبد الجليل وتطوع بتقديم الولاء لتيار ديني يتبعه ويخجل الاعلان عن ارتباطه به، وقدّم لليبيين افضل طريقة والمثل الأعلى لكيفية القاء اللوم ورميه على مشجب العادات والتقاليد والدين. واعلن سيادته ان الباب قد اصبح مفتوحاً من جديد أمام دكتاتوريي ليبيا ما بعد القذافي ويمكنهم العودة الى استعمال المسواق والتذرع بالدين او بالعادات والتقاليد حين يصادفهم شئ لا يتفق مع ما يدور داخل جمجمة مرشدهم او قائدهم.
طبعاً ولم لا وقد تم تحويل ليبيا خلال فترة حكم المجلس الانتقالي برئاسة السيد عبد الجليل الى غابة من الفتاوى بالجملة والسلاح والقرارات العشوائية والفوضى والفساد المالي قد تتفوق تبعيات ذلك قريباً على تبعيات فساد اللجان الشعبية والثورية القذافية اِن لم يتدخل الشرفاء من أعضاء المؤتمر الوطني العام ويقفوا من الآن صفاً واحداً ضد الدكتاتورية والاقصاء تحت أي مسمّى.
أوجدنا الأعذار للمجلس الانتقالي ورئيسه اكثر من مرة عندما أخطأوا لأننا نؤمن ب "جلّ من لا يخطي"، وذلك عرفانا بتحملهم للمسؤولية في وقت عصيب ولادراكنا لحجم ملفات التركة القذافية وبسبب انعدام الخبرة السياسية لدى الكثيرين من أعضاء مجلس "طاقية الاخفاء"..لكن سيادة المستشار الذي أبلغنا ذات مرة بأنه تم نصح الشيخ الغرياني عدة مرات بعدم التدخل في السياسة ووصف الشيخ الغرياني ب "العنايدي" اي الشخص المعاند، أبى هو الآخر الا أن يكون معانداً وحاول بينما كان مجلسه الاننتقالي في الرمق الأخير زرع فتنة بين ليبي مقتنع بارتداء المرأة للحجاب والليبي الغير مقتنع بالشكليات ويهتم بالجوهر.
انجز سيادة المستشار مهمته الدكتاتورية الأخيرة بنجاح باهر أثلج صدور مريديه، وبذلك يكون قد اهان ليس فقط مواطنة ليبية، بل أغلبية الحضور الذين لم يعترضوا على تواجد مذيعة غير محجبة بينهم واهان كذلك نسبة كبيرة من الليبيات اللواتي لا يرتدن الحجاب او يستعملن الحجاب فقط لكي لا يغضب عليهن الوالد او الجد او العم او شيخ الحومه. طبعا هناك نسبة كبيرة من الليبيات يستعملن الحجاب بنأً على قناعات شخصية وعلى الجميع احترام خياراتهن وتقدير استقلالية رأيهن ولهن كامل الحرية في ذلك.
الشكر موصول للمواطنة الليبية سارة المسلاتي التي رفضت تعكير جو المناسبة الوطنية ولم تخلق مشاكل وأثبتت أنها تعرف الادب والاحترام واصول التعامل مع "الفالحين فقط في رفع الشعارات" وغادرت القاعة بدون ضجة او صراخ ورفضت أن تتحول خصلات شعرها الى سد منيع يقف ضد قيام الدولة الليبية الجديدة!!
لا اعرف هل اشكر بقية الحضور الذين قرروا عدم افساد المناسبة لأنهم أدركوا أن المستشار "دار اللي عليه" وقام بالواجب وافسد ما يمكن افساده ولا داعي لاضافة اية رتوش لانجازه..أم ألومهم لأنهم سكتوا ورضوا بزرع بذرة عبودية ودكتاتورية جديدة في قاعة مؤتمر وطني لم تتحصل الجماعات الاقصائية فيه على المركز الأول؟
أعتقد أنه لي الحق في معاتبة الاخوة الحاضرين الذين لم يتدخلوا في الموضوع، وسبب عتابي هو أن الاخوة اعضاء مؤتمرنا العام الجديد الذي هو رمز من رموز انتصارنا على نظريات فاشلة لعهد مضى، فاتهم صلب المهمة المكلفين بها..فهم نسوا او تناسوا انهم مكلفين من قبل الشعب للخوض في موضوع الدستور وتشكيل الحكومة الجديدة ووضع الأسس لليبيا المستقبل المبنية على احترام القوانين..ونسوا انهم من اللحظة الاولى التي قرروا فيها الترشح وحتى لحظة فوزهم ودخولهم كأعضاء لقاعة المؤتمر، من المفروض ان لا يتعاملوا الا بلغة القانون واللوائح وحسب ما سينص عليه الدستور اذا وافق عليه الشعب الليبي. لكن ما الذي حدث؟ نسى اخوتنا أعضاء المؤتمر سامحهم الله موضوع التعامل بالقانون ووافقوا على الاحتكام الى "العادات والتقاليد" التي يتذكرها المستشار وعضوين او ثلاثة حسب مزاجهم!
أعاتبهم على ذلك وفي نفس الوقت اطالبهم بالانتباه الى أن سكوتهم هذه المرة يعني امكانية تكرار نفس التجربة واستعمال نفس الاسلوب معهم في مواضيع اخرى مستقبلاً..فلربما ستصل يوما ما الى منصة الرئاسة فتوى تطال "قراويطهم" وتمنعهم من ارتداء البدلة وربطة العنق لأنها بدعة أتتنا من الغرب الكافر وتقف حجر عثرة أمام تقدم وازدهار الوطن والامة!
كان على سيادة المستشار أن يعلن وبشجاعة من ذاك المنبر الحر أنه لا يوجد في ليبيا قانون يفرض على المرأة ارتداء الحجاب او يمنع على المرأة التي لا ترتديه مزاولة عملها، وليس اعلان الزحف الفكري المبرمج والمبكر على فرحة الليبيين.
لا اعرف لماذا نجد دائماً أن من يعلنون تدينهم وربما المفرط الى حد التطرف يمارسون الاقصاء ويعشقون الممارسات الدكتاتورية، بينما الليبي المسلم المتطلع لدولة مدنية متحضرة ومتقدمة الدين فيها دين والسياسة سياسة وتحكمها القوانين لا الفتاوى، لا يمارس سياسة الاقصاء ولا فرض الرأي؟ فهل يدعوا الدين الاسلامي الصحيح الى اقصاء المسلم الآخر؟ لا، لأنه دين سمح وعادل ويدعوا الى التسامح والتشاور وينبذ العنف والصراخ والاختطاف والقتل وحرّم الانتحار.
الدين الاسلامي على سبيل المثال حرّم الانتحار، فكيف يمكن تفسير العمليات الانتحارية "الجهادية!!" التي يذهب ضحيتها عادة المواطنين الأبرياء؟ فلماذا اذاً يصر البعض على تحويل الاسلام الى شبح مخيف؟
لماذا يصر البعض على أن يظهر المفتي ورجل الدين بصورة المتجهم الوجه والزعلان والغاضب والرافض للبسمة ولا ترى الانشراح والطمأنينة على وجهه؟
هل يمنع الدين البسمة ومناقشة عباد الله في هدؤ وبدون صراخ وحمم تتطاير من الأفواه وبدون تكفير وتخوين مسبقين؟ لا!
لماذا يصرون على أن يظهر شيخ الدين بصورة الحرس البلدي الديني الذي يطارد غير المتحجبات والعباد في الشوارع ليفتش عقولهم وليفرض عليهم تفسيره هو لتعاليم الاسلام؟
لماذا يظهرون لنا أن رجل الدين في ليبيا لا يحق نقد كلامه لأنه بقدرة قادر استحوذ على كرسي عرش الله في الأرض واصبح بعد القذافي فوق هذه الارض هو الوحيد صاحب الكلام الصح ولا يجوز انتقاد افكاره بينما هو يريد السيطرة على كل كبيرة وصغيرة في حياة المواطن؟
لماذا يلجأون دائماً الى فبركة أن كل من اعترض على بعضاً من كلامهم يعتبر كافراَ ومعترضاً على كلام الله؟
لماذا اصرار السيد المستشار دائماً على افساد فرحة الليبيين بمناسبات تاريخية جديدة مثلما فعل في خطاب اعلان تحرير ليبيا؟
لماذا خلق المولى عز وجل الأبيض والأسود والجميل والقبيح والمؤدب وقليل الأدب والذكي والغبي والاحمق والمرح والفضولي والطيب والشرير؟
لماذا خلق من يحب العلوم ومن يميل للثقافة والأدب؟ لماذا خلق الله عز وجل من يتعلم من الدرس الأول ومن يحتاج لعشرة حتى يفهم المطلوب؟ لماذا هذا يتشرب اصول العبادات بسرعة وفي قابلية وعفوية من شيخ الجامع ولماذا الآخر لا يحفظ سور القرآن الكريم ولو أعطاه شيخ الكتّاب ألف فلقه؟
لماذا وجود الصح والخطأ في حياة البشر؟ لماذا خلق الله الدكتاتور وخلق رجل الدين الورع الذي يكتفي بدعوة العباد للصراط المستقيم ثم يترك الخلق للخالق؟ لماذا نجد أن الشخص الذي يردد بوعي وبدون وعي أن المؤمن الصادق أذا رأى منكراً عليه أن يغيره بلسانه أي بالحسنى او بيده أي بالقوة..ثم نجد أن نفس الشخص قد يتحول الى غول ويستأسد امام امراءة ويأمرها برمى قطعة قماش فوق رأسها..ونجد هذا الشخص لا يجرؤ على تغيير منكر سكوته ومسؤوليته عن تهريب اعداء الوطن والدين الى الخارج ..ويصمت أمام عشرات من الممارسات للمنكر مثل استلام الرشاوي والتحالف سراً مع جماعة معينة ضد أبناء بلده واخوته في الدين..ولا يقول شيئاً عن لهف أشباه الثوار للملايين من قوت الشعب..ولم يتكلم الا مؤخراً عن "رؤية" قطر لما يجب أن تكون عليه الأمور في ليبيا؟
لماذا لم يتكلم سيادة المستشار قبل شهور عن استلام بعض الليبيين لاموال وصدقات ورشاوي من قطر؟ أم أن المتاجرة في قضية الشعب الليبي وفي دماء شهدائه تسير في سياق "العادات والتقاليد" الليبية وقد تم الفتوى بقبولها وبدون أن نعلم؟
لماذا الالتفات للقشور ونسيان اللب؟ ألف لماذا ولماذا، فهل من جواب مقنع؟
زمان كنا نقولو القايد او الكابو يبّي هكي، وبعدين جاء الدور على المستشار وصرنا نقولو سيادة المستشار يبّي هكي..زعما بكره انقولو مرشد الجماعة يبّي هكي؟ والا المفتي يبّي هكي؟ والا قايد السرايا يبّي هكي، والا سي الشيخ والا من اللي يبّي هكي؟ يستر الله!
ارحموا هذا الشعب المسكين الذي وصلته الآلاف من التحريضات الثورية والفتاوي الدينية ودعوه يهتم ببناء الوطن.
فالأوطان والرفاهية والعدل والمساواة والتقدم لا تبنّى الا بالعمل الجاد وليس بتخويف الشعب وارهابه وتشتيت أفكاره بين مناهج غريبة علينا.
كنا دائماً نحمد المولى عز وجلّ على خلو ليبيا من التطرف الديني والاختلافات في المذاهب والديانات، واذا بنا فجأة نجد أمامنا ليبيين "متدينين" ينتمون لجماعات مختلفة يحضرون لنا تلك المذاهب والاختلافات الى عقر دارنا ويلقون باللوم على الليبيرالية والعلمانية وسكان المريخ وكل مجموعة منهم تحاول فرض رأيها وتزرع الفتن بين افراد المجتمع.
ادخلونا في نزاعات جانبية حول العلمانية والليبيرالية وافكار حسن البنا والسلفية والوهابية والغريانية والقرضاوية وما الى ذلك، ولم يتكلم احد بعد عن ما هي الخطة التنموية المناسبة لليبيا والتي ستوفر عشرات الآلاف من اماكن العمل لمئات الآلاف من الشباب الليبي العاطل عن العمل..ولم يتكلم أحد بعد عن دراسة ميدانية يتم فيها حصر عدد المكتبات واجهزة الكمبيوتر المطلوبة لكل مدن ليبيا حتى ينتشر الوعي ولو تدريجياً..او كيف نصل الى نقطة تقنين العمالة الوافدة.
لا ادافع عن هذا او ذاك ولكن، بالله عليكم يا سادة كونوا واقعيين وصريحين مع انفسكم وقولوا لنا: هل هو الليبيرالي الذي احضر الى ليبيا كل هذه النزاعات؟ هل هو العلماني الذي يزج بالليبيين في كل هذه المعارك الجانبية؟ كنت افضل أن اقضي وقتي هذا في كتابة شيئاً يفيد الجيل القادم عن مسائل وفوائد المحافظة على البيئة مثلاً او عن توعية المواطن بأهمية استعمال حزام الأمان عند قيادة السيارة او عن مطالبة المسئولين بتوفير امكانيات العلاج النفسي لأطفال ابرياء عاشوا الدمار ورأوا كيف اغتصبت اخواتهم وامهاتهم ويتسائلون عن سبب منع جيرانهم من العودة الى بيوتهم..وليس عن ممارسات دكتاتورية لمستشار كان قاضيا من قبل ومن المفروض انه يعلم أكثر من غيره أن القاضي رجل قانون وليس شيخ غفر للعادات والتقاليد.
ويا ريتك يا شيخ عبد الجليل هدرزت علينا شويه في مؤتمرنا بخصوص قصة تهريب بشير صالح او عن خلفيات تصفية اللواء عبد الفتاح يونس او عن قيمة مصروفات مجلسكم حتى الآن بدلا من هدرزة المرابيع عن العادات والتقاليد.
تصبحو على وطن وتمسو على خير
حسين التربي
huseinturbi@yahoo.co.uk
أرشيف مقالات (ولد بلاد)، للإطلاع، اضغط هنا